السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، رفاقي وإخوتي في الإسلام، ها أنا اليوم أصوغ إليكم -بفضل الله تعالى- مقالًا لأكتب فيه عن «الانتكاسة»… وكيف تؤثر في عبادتنا لله.
في البداية.. ما هي الانتكاسة؟
هي عودة التائب إلى المعصية التي تركها مسبقًا، أو أنها الفترة التي يكون فيها المسلم مقصرًا في العبادات والطاعات، فيعود إلى الذنب بعد أن ذاق حلاوة القرب من الله.
لنكن صريحين، معظمنا هنا يعرف ما هي الانتكاسة قبل أن يقرأ كلماتي أعلى هذه الفقرة، ولكن لا يدرك أن من الممكن أن تكون هناك مشكلة في اعتبار «الانتكاسة» مجرد وصف لحالة «مؤقتة».
هناك قسمان منها في البداية:
أن يعود التائب إلى المعاصي.
أن يقصر المسلم في النوافل، دون أن يقع في معصية.
وأنا أريد التركيز فقط على هاتين النقطتين..
غالبًا، من يقصر في النوافل دون أن يقع في معصية، يكون قد تاب عن معاصٍ كثيرة، والتزم بالنوافل والسنن الحسنة، ثم تحصل له فترة فتور، كما نلاحظ.
ولكن هناك نوع أخطر من هذا، وهو التائب الذي يعود إلى طريق الضلال والمعاصي بكثرة بعد توبته. يفرط في عصيانه، ويضاعف مرات اتباع شهواته، ولكن عندما تقرر أن تبادر إلى نصحه، سيقول لك بكل برود: «إنني في انتكاسة.. وكما تعلم، فإن الجميع قد يمر بهذه الفترة..».
ليس الجميع…!
ليس الجميع من يستخدم كلمة «الانتكاسة» كتَبرير من أجل ممارسة الضلال والمعاصي بأريحية، وليس الجميع من يجعل شهواته تسيطر على أفعاله ونفسه!
كما نلاحظ الآن في مجتمعنا، فإن الكثير من هذه الفئة السطحية قد تستخدم هذا المصطلح كوسيلة لتبرير أفعالها وتخفيف موقفها، حتى يعتقد الكثير منهم أنهم على علم بما قد يحدث حولهم، وأنهم ذوو علم وخبرة بأمرهم أكثر من غيرهم.. وهذا غير صحيح البتة.
تنطلق كلماتهم الباردة من دون إجهاد للنفس في قمع الشهوات، وترك المحرمات، والتوبة السريعة إلى الله بقلبٍ مُنيب. هم فقط يمارسون كل ذلك وكأنهم يكذبون على الناس، وعلى ربهم الذي خلقهم، وهو العليم الخبير.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
والآن، أيها القارئ، سيتبادر إلى ذهنك أسئلة كثير بخصوص تركيزي على هذه الفئة من الناس..
«وما شأني بالذين ذُكروا في هذا المقال؟ أنا متأكد بأنني لست منهم..»
رويدك.. إنني خصصت هذا المقال للجميع، بما أنني قد وقعت في نفس الفخ الذي سأذكره الآن لك، أيها المجاهد..
نحن نعلم أن للنفس أنواعًا، ومن ضمنها النفس الأمارة بالسوء. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النفس البشرية ليست كما تتخيل في ذهنك، ولا تميل إلى السهولة في فهمها.
أنت تعلم أن النفس يمكنها أن تغفل عن الكثير من الأمور، وأن تسهو بين فترة وأخرى، واحتمالية وقوعها في فخ الشيطان كبيرة.. مهما تزيّن ذلك الفخ في نظرك.
من الممكن أن تكون من تلك الفئة التي تبرر لنفسها بأنها في انتكاسة مؤقتة في البداية، ولكن بعد ذلك يجرّك الشيطان إلى عمق الخطيئة. وأنت تقول في نفسك: «لا بأس، إنها فترة قصيرة، وسأعود إلى الله بالتأكيد! لا خوف في ذلك..»
ولكنك لا تعلم ما تقوله نجواك في تلك اللحظة، وكيف سيوقعك قرينك في شيء لم تفكر فيه حتى!
كما تعلم أن صفة الناجين هي أنهم يملكون قلبًا سليمًا، دون شوائب، ودون آثام، قلوبًا خالية من كل ذرة تعصي الله..
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
كتبت هذا المقال لأذكّرك، أيها القارئ المجاهد، أن من السهل جدًا أن تعتبر نفسك في فترة انتكاسة مؤقتة، ولكنك لا تعلم خبايا نفسك حين تقنعها بأنك في فترة تكون فيها بعيدًا عن الله. ومن ينحرف عن الحق فقد تعميه نفسه عن الطريق الصحيح، وتهلكه حتى تتفاقم مشاكله الدنيوية ومشاكله مع نفسه.
ابحث في عمق ذاتك ونفسك وقلبك: ما الذي يجعلك تشعر بذلك حقًا؟ ولماذا تختار هذا التبرير بالذات؟ هل هي مجرد كلمة، أم أنها مصطلح مخادع بينك وبين نفسك؟
ولما حضرت ابن الجوزي الوفاة، قال: «ولقد تاب على يدي أكثر من مئتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من أربعين ألفًا، فجلست يومًا فظللت أعظ الناس، فما منهم إلا متلفع بثوبه يبكي».
قالوا له: «أنت فعلت، وفعلت، وفعلت!» والمقصد هنا ذكر ما قد فعله من طاعات، وأعداد من تاب على يديه، ومن أسلم على يديه.
فقال: «إني والله أخشى أن أكون من أهل قول الله عز وجل: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾».
ثم قال: «إلهي وسيدي، إن قضيت عليَّ بالعذاب غدًا، فلا تخبرهم، صيانةً لكرمك لا لأجلي، حتى لا يقولوا: عذّب الله من دلّ عليه».
إذًا.. كيف أفرّ من هذه الخدعة التي زيّنها الشيطان؟
جاءت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، امرأةٌ اشتكت إليها قسوة قلبها، فأجابتها: «أكثري ذكر الموت يرق قلبك». ففعلت المرأة، فرقّ قلبها، ثم جاءت تشكر السيدة عائشة على هذه النصيحة.
لنتأمل هذا الموقف للحظة.. ما الذي يمكن أن يجعل الإنسان يفرّ من الانتكاسة؟ وما هو الشيء الذي يعجّل توبة المرء؟
باختصار صريح.. الموت.
أريدك أن تتخيل فكرة أنك في يوم ما أجّلت توبتك، وكنت تتباطأ في العودة إلى الله، ونفسك مؤمنة بأن هذا الشيء طبيعي ولا بأس به، ولكن فجأة لم تعش بعد تلك اللحظة… خرجت روحك من جسدك، ثم يتركك الناس في حفرة تحت التراب بمفردك..
فَإِذا استَيأَسَ مِنهُ الـ ـقَومُ قالوا حَرِّفوهُ
عَجِّلوهُ لِرَحيلٍ عَجِّلوا لا تَحبِسوهُ
اِرفَعوهُ غَسِّلوهُ كَفِّنوهُ حَنِّطوهُ
فَإِذا ما لُفَّ في الأَكـ ـفانِ قالوا فَاحمِلوهُ
أَخرِجوهُ فَوقَ أَعوا دِ المَنايا شَيِّعوهُ
فَإِذا صَلّوا عَلَيهِ قيلَ هاتوا وَاقبِروهُ
فَإِذا ما اِستَودَعوهُ الـ ـأَرضَ رَهناً تَرَكوهُ
وَاِنثَنَوا عَنهُ وَخَلَّو هُ كَأَن لَم يَعرِفوهُ
وَكَأَنَّ القَومَ فيما كانَ فيهِ لَم يَلوهُ
اِبتَنى الناسُ مِنَ البُنـ ـيانِ ما لَم يَسكُنوهُ
جَمَعَ الناسُ مِنَ الأَمـ ـوالِ ما لَم يَأكُلوهُ
طَلَبَ الناسُ مِنَ الآ مالِ ما لَم يُدرِكوهُ
— أبو العتاهية —
هل أنت جاهز لتلك اللحظة؟ وهل ستشفع لك «الانتكاسة» التي جرّتك إلى المعاصي يوم القيامة؟
دعك من ذلك، ولكن تذكّر أن هناك موتًا مفاجئًا، وسكرات، وملائكة، وروحًا تخرج، ولا عودة لتصلح خطأك، ويوم حساب أمام الله تعالى..
كل هذه الأفكار تجعلك تشعر بأن الدنيا زائلة؛ تلك السنوات البسيطة القليلة، كان من المفترض أن تزرع فيها ما يجعلك تحصده في الجنة، وأن تعيش حياتك بما يحبه خالق البشر أجمعين، تلك السنوات في العبادة، والامتناع عن الشهوات، والمسارعة إلى الخيرات لنيل رضا الله..
أما أن تؤجل توبتك بتبريرٍ على لسانك بأنك «في انتكاسة مؤقتة»، وتكون عندها تمارس كل خطيئة، متأكدًا بأن الله قد يمنحك لحظة أخرى للتوبة.. ولكنك تماطل في ذلك… لتعيش في جهنم خالدًا فيها..
لا تجعل زينة الدنيا كل مبتغاك، فهناك ما ينسيك حبك لها في الآخرة.
وأنا أربط مصطلح «الانتكاسة» لدى البعض بالمماطلة في العودة إلى الله، فحتى وإن عدت إلى المعاصي.. عجّل توبتك إلى الله، فلا تعلم متى تكون قيامتك.
يُؤمِّلُ دُنْيا لِتَبْقَى لَهُ فَمَاتَ المُؤَمِّلُ قَبْلَ الأَمَلْ
حَثِيثاً يُرَبِّي أُصُولَ الفَسِيلِ فَعَاشَ الفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلْ
— سيبويه —
وهناك الكثير والكثير من الحلول لإيقاظ القلب القاسي من غفلته، وقد استمعت إلى بودكاست رائع للشيخ أحمد العربي، كان يتحدث فيه عن رحلة الخلود
في النهاية كل الثناء و الحمد لله وحده على ما أنعمه علينا من نعم لندركها، وعلى كل فرصة للتوبة كتبها.
وشكرًا على مروركم الطيب، جعله الله في ميزان حسناتي و حسناتكم جميعًا.






ما شاء الله تبارك الرحمن
بارك الله فيكِ ، مقال رائع جداً
أحسنتِ 🤍!
ما شاء الله عليكِ يا ميرال
كلااام جميل و عظيم .. لفتّي نظري لأشياء ما كان الواحد منتبه الها
الله يجزاكِ الخير و يكتب أجرك 🤍🤍