كيف يحيي ذكرُ الله القلبَ بعد غفلته؟
كلما غفل الإنسان عن نعم الله سبحانه وتعالى عليه؛ من الخلق، والإيجاد، والرزق، وسائر ما يحتاج إليه في حياته، وغفل عن حقيقة افتقاره التام إلى الله سبحانه، دخل في ظلمات الغفلة والبعد.
وقد بيَّن الله تعالى هذا الافتقار بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
فمعنى: «أنتم الفقراء إلى الله» أي: أنكم محتاجون إليه على الدوام؛ لا في وقت الشدة فقط، ولا عند وقوع المشكلات، أو عند البحث عن حل، أو طلب حاجة، بل لا يستغني الإنسان عن الله طرفة عين.
وقد قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
فهو سبحانه الذي خلق، وهدى، وأطعم، وسقى، وشفى، وأمات، وأحيا، وغفر. والإنسان مفتقر إلى الله في كل لحظة؛ في صحوه، ومنامه، وأكله، وشربه، وفي كل شأن من شؤونه.
ومن أعظم نعم الله على الإنسان أنه أخرجه من العدم إلى الوجود، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
فإذا غفل الإنسان عن هذه المعاني، وضعف ذكره لله سبحانه وتعالى، دخل في ظلمات الغفلة والقسوة، ولا خروج له من هذه الظلمات إلا بالرجوع إلى ذكر الله، واستحضار معاني الافتقار إليه سبحانه.
ولذلك أمر الله المؤمنين بالإكثار من ذكره، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن المؤمن قد تصيبه الغفلة، وأنه يحتاج دائمًا إلى تجديد ذكر الله في قلبه ولسانه؛ لأن الغفلة قد تُدخل القلب في الظلمات، بل قد يصل الإنسان إلى حال يشبه الموات الروحي.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»
[رواه البخاري ومسلم]
كيف يُفعِّل المؤمن ذكر الله في حياته؟
من أعظم أبواب ذلك أن يجعل لنفسه وردًا ثابتًا من الذكر لا يتركه.
فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟»
فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟
قال: «يُسبِّح مائة تسبيحة، فيُكتب له ألف حسنة، أو يُحط عنه ألف خطيئة»
[رواه مسلم]
فتأمل قوله ﷺ: «أيعجز»، وكأنه يُبيِّن أن هذا من أيسر الأعمال، فلا ينبغي للمؤمن أن يعجز عن دقائق يسيرة يذكر فيها ربه، وينال بها هذا الفضل العظيم.
فإذا أدرك الإنسان تقصيره، بدأ يُلزم نفسه بهذا الذكر، فيحدد وقتًا يوميًا للتسبيح، ويحرص على المداومة عليه، فإن فاته في يوم لعذر أو غفلة قضاه، حتى لا يعتاد التفريط.
ومثل ذلك ما ورد عن السلف في المحافظة على الورد من القرآن، أو قيام الليل، أو الأذكار؛ فإن العبد إذا حافظ على عبادته وثبت عليها، ترسخت في قلبه، وصارت جزءًا من حياته.
فإذا ثبت على هذا الورد، ووجد أثره في قلبه، بدأ يتوسع في الذكر والطاعة، ولم يَعُد يكتفي بالقليل، بل يزداد شوقه إلى القرب من الله سبحانه.
ثم ينتقل إلى مرحلة أعلى، فيستغل أوقات فراغه كلها في الذكر، فإذا فرغ من عمل أو حديث، وجد لسانه يلهج بذكر الله تلقائيًا.
وهذه علامة خير وقبول؛ لأن القلب إذا اعتاد الذكر في أوقات الفراغ، سهل عليه أن يذكر الله حتى في أوقات الانشغال.
فكما أن كثيرًا من الناس يستغلون أوقات أعمالهم أو تنقلاتهم في سماع ما لا ينفع، فإن المؤمن يستطيع أن يملأ هذه الأوقات بالتسبيح، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر الله عمومًا.





ربنا يجازيكِ خير عنا
يعطيك العافيه ع المقال الجميل 🤍