غمٌّ بعد غمّ: دروس من غزوة أُحد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
كثيرٌ منا قد سمع عن قصة غزوة أُحد، كم كانت تلك الغزوة صعبة جدًا على الصحابة والمسلمين، وكم من شهداء استُشهدوا فيها، وكم من حوادث حدثت فيها، وكم من عبرات حملتها في قلوب المسلمين إلى يومنا هذا، وكم من آيات في القرآن الكريم نزلت بشأنها. في مقالي هذا، سأتحدث عن إحدى الآيات التي نزلت في غزوة أُحد، والتي تحمل معنى عميقًا قد يغيّر مجرى تفكيرك في الأمور والشدائد.
{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153].
{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ}
كيف يُثيب الله المسلمين والصحابة في تلك الغزوة غمًّا وهم في غمّهم الأول؟في الفعل “أثاب” هنا، يتبيّن أن الله قد كافأ المسلمين بالخير، وليس بأمرٍ فيه شر؛ ولكن كيف يكون الغم هنا خيرًا؟
نحن نعلم أن المسلمين في تلك الغزوة خالفوا أمر رسول الله ﷺ، ونزل الرماة من أعلى الجبل، بالرغم من أن الرسول قد أمرهم بعدم ترك أماكنهم نهائيًا، سواء انتصر المسلمون أو هُزموا.
فبعد ذلك قلب خالد بن الوليد الموازين إثر مخالفة الرماة لأوامر النبي ﷺ بنزولهم من الجبل. استُشهد حوالي 70 صحابيًا، منهم حمزة بن عبد المطلب. وهنا شعر المسلمون بالهزيمة الساحقة وبالخسارة الكبيرة، فتذبذبت صفوفهم وقوتهم، ومن ثم غلبهم اليأس والغم في صدورهم.
ولم تكتفِ الأحداث بذلك أيضًا، وإنما ازدادت سوءًا. بدأ المشركون بإطلاق شائعة أن محمدًا رسول الله ﷺ قد قُتل، بعد أن هاجموا مصعب بن عمير وقتلوه لظنهم أنه النبي ﷺ. هزّت هذه الشائعة صفوف القتال وقوة المسلمين في تلك الغزوة، كما أن هناك بعض الصحابة قد توقفوا عن القتال، فسَادَ الغم في قلوبهم فوق غمهم الأول.
وبعد لحظات، صاح أحد الصحابة بأن محمدًا حيّ لم يُقتل، فنادى بأعلى صوته: “يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله!”، حينها فرح المسلمون بسماع هذا الخبر، وأعاد إلى قلوبهم الأمل والقوة. ومن شدة سعادتهم بخبر الرسول ﷺ، نسوا همّهم الذي كان قبل الشائعة، وهو الهزيمة، ونسوا غمّهم الذي امتلكهم حين سماعهم خبر استشهاد الرسول.
{لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}
وهنا ندرك أن الله العليم الحكيم، قد أثابهم بغمّ وانكسار في البداية، ثم أثابهم غمًّا أقسى من غمّهم الأول، حتى يُنسيهم ما في صدورهم من ألم وحزن ويأس. وكيف يتوقع الإنسان أن ما كتبه الله هو خير، بالرغم من أنه غمّ!
لهذا قد نعلم أن الله يدبّر أمرنا، ويبتلينا حتى نتعلم العبرة في الأمر، وقد يفتح لنا آفاقًا لم ندركها يومًا. فالشدائد تعلّمك وتنحت في جوهرك عبرة لن تنساها، وحتى وإن عذّبتك المواقف والأحداث، فلا تزعزع ظنك بالله.
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
و شكراً على وقتكم✨




واووو والله ابداعع
تسلميي ما شاء الله فنااانهه