هذه ليست مجرد تجربة… هذه صحوة
من أعظم التجارب في حياتي: التقرّب من الله. ليس وكأنني أفضح سرًا بيني وبين الله، وحاشاني من الرياء، ولكن هناك ما لاحظته طوال الأربعة إلى خمسة أشهر، عندما كتب الله لي موقفًا قريبًا من قلبي؛ حتى يفتح بصيرتي بأمر الدنيا.
تبدأ تجربتي عند حذفي لبرامج التواصل الاجتماعي. من الجميل أن أرى بعض الناس يناقشونني حول موضوع التواصل الاجتماعي وكيف تؤثر على كل شيء… “كل شيء!”
لا أعتقد أن هناك الكثيرين ممن أدركوا شهر رمضان… ثم العيد. أعني أن الكثير منهم قد شعر، ولكن ليس بالشعور الذي يسقي نفوسهم.
حذفت برامج التواصل الاجتماعي تمامًا (لم أكن أستخدمها حتى وإن كانت لدي)، ولكن إدراك حذفها بشكل تام أمر مختلف..
في البداية كانت تجربة صعبة: الصوم عن كل ما يُسرف وقتي، الالتزام بعادات جديدة، قراءة القرآن يوميًا، والامتناع عن كل شيء لا يعود بنفع. قلّة المحادثات، إتمام المهام اليومية، التركيز على تفاعلي إن كان في مكان جيد أو مكان سخيف لا فائدة منه. حتى في برامجي المتبقية، قد استبدلتها بشيء أنتفع منه، وإن لم يكن كذلك أقوم بحذفه تمامًا.
أروي ظمئي يوميًا بمعلومات دينية ودنيوية، ليمتلئ القلب والعقل بالفوائد، ويعتاد على التعطّش لها.
والنتائج؟
—> تبارك الوقت
—> تقليل التشتت
—> تطوير الذات
—> التقرّب من الله
—> البعد عن الفواحش وكل أمرٍ مشكوك فيه
—> قلّة الخمول والكسل
—> إنجاز أكثر من الأعمال المعتاد عليها
—> التمسك بعادات ممتازة
—> توسيع مدارك العقل
—> التركيز على الذات
—> قلّة التذمّر
—> الاستمتاع بالمهام العملية
—> انتقاء المحتوى وكل ما يشاهده المرء
—> قلّة السلبية
بعد كل ذلك، اعتدت على الأمر. أصبح وقتي كله بين ما يحبه الله وبين ما أحبه أنا. كل فترة وأخرى أعتزل ما قد يعصي الله، وأستبدله بما يحبه.
البحث في الذات ونواياها قد يحقق أشياء لم تكن تعلم عنها يومًا، ويحلّ أسئلة هذا الجيل، ومنها:
“ليش كل ما مرّ وقت تموت قلوب الناس عن التعلّم والبحث؟”
“طيب ليش هذا الرمضان ما كأنه رمضان؟”
“كل ما يجي عيد يصير ممل أكثر.. وش ذا؟”
“الناس صارت ما تحب تفتّش عن الإجابة”
“هذه الأيام، القليل من الناس يثبت على الحق”
“كيف صارت هذه الأجيال تستسهل المعاصي وتستصعب العبادات؟”
“ياخي، ما فيه شغف لشيء أبدًا… كل شيء مات”
“صار الناس ما ينجزون شيئًا لأنفسهم.. دائمًا إنجازاتهم لشيء مجبورين عليه”
“الترندات… والعادات المكتسبة الآن..”
“كيف أصبح الناس بهذا الجهل؟ ولو أن الشخص عنده علامات عالية في الجانب الأكاديمي، إلا أنه يظل عنده جهل”
“وش هالزمن اللي يقتل هالأجيال؟!”
أو بالأصح: “وش هالأجيال اللي تقتل هالزمن؟!”
والأسباب بكل اختصار:
المعرفة السطحية في الدين
ضيق المدارك
المقاطع القصيرة وغير المفيدة
سوء انتقاء المحتوى في هذا العصر
الناس ماتت عقولهم، والقاتل هو الإنسان نفسه!
التقرّب من الله يجعلك تشعر بالشعائر.. شعرت برمضان ولذّته من يومٍ ليوم، كيف أن تلك الأيام كانت علاجًا لذواتنا الضعيفة، تريح بالنا، وترتّب أيامنا، وتبيّن كيف أن الحياة لذيذة من دون المعاصي!
وأنا لا أصرّح بأنني إنسانة كاملة، بل في طريقٍ أموت فيه وأنا أحاول.
التمسّك بالقرآن شعورٌ لا يُحرم الله منه عبدًا. كنت أسمع جملة: “صحبة القرآن هي خير صحبة”، ولكنني لم أعشها حتى مررت بهذا الرمضان، وقد غيّر مشاعري وتفكيري ونظرتي للقرآن بشكل لا أتمنى أن أخسره يومًا.
الحمد لله الذي زرع في قلبي حبّ التقرّب إليه عن طريق القرآن، الحمد لله الذي رفع عن عيني الغطاء عن كل هذا..
وفعلًا، عشت العيد وأنا قد اشتقت لهذا الشعور من قبل. أدركت بأن هذه نعم، والله، ثم والله، تحرّك في النفس شعورًا لا تصفه الكلمات ولا تعبّر عنه الحروف.
كيف أن لكل شيء بسيط، هكذا، هو عظيم وقريب إلينا، ولكننا لم نكن نشعر بتلك اللذّة… لهذا أصبح أغلب المسلمين لا يستلذّون به، فقد أعمتهم كل هذه الأمور عن الدين الذي أُنزل علينا جميعًا.
وعندها ستستشعر جملة: “ينعاد عليكم بالخير”، وتدعو الله أن يعيد عليك تلك الأيام الفضيلة؛ لتذوق حلاوتها، وتشفي نفسك، وتحقق أمانيك بفضل الله.
وأنا لا أخصّ هذا المقال أو هذه التجربة لأشخاصٍ معيّنين، ولكنني وجدتُ أنّ من الجيد مشاركتكم شيئًا عظيمًا جدًا، من الممكن أن يحقق هدفًا في حياتكم، ويغيّر نفوسكم، ويطهّر أفئدتكم. فجميعنا نواجه مشاكل كهذه، ولا نعرف حلّها الأنسب.
وشكرًا لكل من خصّص وقته لقراءة كلماتي وأسطرِي، وأسأل الله لكم التوفيق





من أجمل ما قرأت ، و حرك مشاعري و هز وجداني
خير ما قرأت وفقكِ الله وجزاكِ خيراً على مشاركتنا تجربتك هدأنا الله جميعا وردنا إليه رداً جميلاً.